حسن الأمين
24
مستدركات أعيان الشيعة
يفتش عن مكان آخر يقاتل فيه ، لان إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحد من نفوذه ويقلل من هيمنته . اما القتال في مناطق أخرى فإنه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته ، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام . ولو أن المناطق الأخرى التي عزم على القتال فيها هي مناطق أجنبية يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية ، لهان الأمر . ولكن صلاح الدين الذي سالم الصليبيين وتحالف معهم وأعاد لهم ما كان اخذه منهم ، صلاح الدين هذا عاد يخطط لغزو البلاد الإسلامية وسفك دماء المسلمين تحقيقا لمطامحه الشخصية . ترك الصليبيين في أمان واتجه لترويع المسلمين الآمنين ، ولكن الله الرحمن الرحيم انقذهم منه ، ونجاهم من السيوف التي أعدها لذبحهم توسيعا لملكه ومدا لسلطانه . قال ابن الأثير وهو يتحدث عن وفاة صلاح الدين : « وكان قبل مرضه قد احضر ولده الأفضل عليا وأخاه الملك العادل أبا بكر واستشارهما فيما يفعل ، وقال لقد تفرغنا من الفرنج وليس لنا في هذه البلاد شاغل ، فأي جهة نقصد ، فأشار عليه أخوه العادل بقصد ( خلاط ) لأنه كان قد وعده بأنه إذا أخذها ان يسلمها اليه . وأشار ولده الأفضل بقصد بلد الروم ( الأناضول ) التي بيد أولاد قلج أرسلان ، وهي بلاد اسلامية » . يقول صلاح الدين : تفرغنا من الفرنج ، وليته كان تفرغ منهم باستئصالهم مستعينا عليهم بجيش الخليفة . ولكن تفرغ منهم بالتحالف معهم على ذلك الجيش . تفرغ منهم بذلك وراح يحاول الانشغال عنهم بالمسلمين ، ونسي ما قاله من أن قواد جيشه ملوا الحرب . اعتبر البلاد التي استولى عليها ملكا شخصيا له يتملكها كما يتملك المزارع والقرى ، لذلك قسمها بين اخوته وأولاده كما يقسم اي مالك املاكه بين ورثته ، فاعطى مصر لولده العزيز عماد الدين أبي الفتح ، ودمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين علي وهو أكبر أولاده ، وحلب وما إليها لولده الظاهر غازي غياث الدين ، والكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات لأخيه العادل ، وحماة ومعاملة أخرى معها لابن أخيه الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر ، وحمص والرحبة وغيرها لأسد الدين بن شير كوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شير كوه الكبير نجم الدين أخي أبيه نجم الدين أيوب ، واليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه لأخيه ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ، وبعلبك وأعمالها للأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه ، وبصرى وأعمالها للظافر بن الناصر . واستقل كل واحد منهم بما في يده . وهكذا تمزقت البلاد وانفصمت وحدتها ، وعادت مزقا يصارع بعضها بعضا . وقام الورثة يتنازعون فيما بينهم ويستنصر بعضهم بالصليبيين على البعض الآخر . ففي سنة 638 سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق للصليبيين صيدا ( بلد الدكتور فهمي سعد ) سلم صيدا وهونين وتبنين والشقيف للصليبيين فيما سلمهم من البلاد ، سلمهم ذلك كله ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر . وفي سنة 625 ه ( شباط سنة 1229 م ) سلم الكامل والأشرف ولدا العادل أخي صلاح الدين - سلما القدس وما حولها للملك الصليبي فريدريك الثاني وسلماه معها الناصرة وبيت لحم وطريقا يصل القدس وعكا . ويصف ابن الأثير وقع هذه الرزية على العالم الإسلامي بقوله : « واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه » . هذا ما أدى اليه تمزيق صلاح الدين للبلاد وتوريثها لأسرته قطعا قطعا . وإذا كان المسلمون يوم ذاك استعظموا هذا الأمر ووجدوا ما وجدوا فيه من الوهن والتألم ، فان الدكتور فهمي سعد وجد فيه اليوم مجالا للتفاخر والتمجيد . يتهمنا الدكتور فهمي سعد بان لنا أغراضا ذاتية بعيدة المرمى في غضنا من صلاح الدين . اما ان لنا في ذلك أغراضا بعيدة المرمى فصحيح : ذلك انا نريد رفع الزيف عن تاريخنا ، وهو غرض بعيد المرمى حقا . واما ( الذاتية ) ، فإننا نقول للدكتور فهمي سعد ولا مثاله : ليت أغراضكم كانت ذاتية فقط ، إذن لهان الأمر . . . واما نعتنا بأننا جهدنا في اضفاء الطابع العلمي على ملاحظاتنا ، فان ذلك مما يشرفنا ونعترف به ، وهو سبيلنا دائما فيما ندون . اما هو فليس باحثا ولا مؤرخا ولا محايدا - كما ادعى لنفسه - بل كان شتاما للباحثين المؤرخين المحايدين ( انتهى ) . هل كانت هناك خلافة فاطمية ؟ عند مداهمة الخطر الصليبي للعالم الإسلامي لم تكن هناك خلافة فاطمية في مصر ، بل كان المسيطرون على الحكم من تغلبوا على الخلفاء وحجبوهم داخل قصورهم لا يملكون من الأمر شيئا حتى في شؤونهم الخاصة لقد انتهت سلطة الفاطميين على مصر قبل وصول الصليبيين إلى أطراف العالم الإسلامي لا سيما بلاد الشام بربع قرن . فان بدر الجمالي انهى سلطة الخليفة الفاطمي المستنصر وسيطر على الدولة سنة 466 هوكان ابتداء وصول الصليبيين سنة 490 وسقطت أنطاكية في أيديهم سنة 491 . ويقول ابن الأثير عن سيطرة بدر : فلما كانت سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش وقتل المركز والوزير وجماعة من المسلحية وتمكن من الدولة إلى أن مات ، وولي ابنه الأفضل ( الصفحة 87 من الجزء العاشر طبعة دار صادر ودار بيروت سنة 1966 ) . ويقول عن موته في احداث سنة 487 : توفي أمير الجيوش بدر الجمالي صاحب الجيش بمصر وقد جاوز ثمانين سنة ، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر والمرجوع اليه . ثم يقول : ثم مضى أمير الجيوش إلى مصر وتقدم بها وصار صاحب الأمر ( الصفحة 235 من الجزء العاشر . طبعة دار صادر ودار بيروت سنة 1966 ) على أن بدرا الجمالي لم يكتف بانهاء سلطة الخلافة الفاطمية والسيطرة على البلاد سيطرة كاملة تنتهي بموته ، بل تعدى الأمر إلى ما يمكن ان نسميه إنشاء أسرة مالكة جديدة إذا لم تحمل اسم الخلافة لاستحالة ذلك عليها ، فقد كان لها جميع مظاهر وحقائق الأسرة المالكة من سلطة مطلقة وإقامة ولاية عهد ، فحين مات بدر الجمالي تولى بعده ابنه وولي عهده الأفضل الملقب : شاهنشاه .